المحقق الحلي
16
معارج الأصول ( طبع جديد )
الخفّة والأريحية . ولا بدع فإنّها بلاد نشأت وهي عربية محضة ، وبقيت إلى يومها هذا عربية صراح ، لا دخيل فيها إلّا النادر الذي لا أثر له . وأعان على ذلك ما عرفت من حسن هوائها وطيب تربتها ومائها ، حتّى أنّ الداخل إليها يحسّ بتغيّر دفعي ، وانتقال فجائي . أوّل ما يضع قدمه في تخومها وحدودها يجد في الأغلب نسيما منعشا ، يكاد يأخذه منه نعاس في رأسه ، وانتعاش في بدنه . تلك هي البلدة التي أتحفت الأدب العربي بما لا يحصى من نوابغ الشعراء المفلقين « 1 » ، الذين اشتهر منهم في القرون الوسطى البارع المتفنن أبو السرايا صفي الدين الحلّي الشهير . وكم في عصره وما يليه من أمثاله ، ولكن لضربه في الآفاق اشتهر اسمه وذاع صيته » « 2 » . ومؤسس هذه البلدة المعطاء هو سيف الدولة الأسدي ، فله « المساعي المشكورة والأيادي البيض في تأسيس الحلّة الفيحاء ، وجعلها مقرّ إمارته ، وعاصمة ملكه ، وإنشائه المعاهد العلمية فيها ، حتى أصبحت محطّ رحال العلماء ، ودار هجرة الأدباء ، بعد ما كانت قاعدة إمارة آبائه بلدة النيل . وكانت له رغبة باقتناء الكتب ، فألّف خزانة كتب قيّمة . وإليك ما قاله عنه عزّ الدين علي بن الأثير الجزري في كامله : كان لسيف الدولة من الكتب المنسوبة الخط شيء كثير ، ألوف مجلّدات ، وكان يقرأ ولا يكتب . وكان جوادا حليما صدوقا ، كثير البرّ والإحسان ، ما برح ملجأ لكلّ ملهوف ، يلقى من
--> ( 1 ) راجع « البابليات » للشيخ محمد علي اليعقوبي / الجزء الأوّل . وراجع أيضا الجزء السادس والسابع من موسوعة « الغدير » للعلّامة الشيخ عبد الحسين الأميني ، الطبعة المحقّقة الأولى ، في قم عام 1416 ه . ( 2 ) مقدّمة « سحر بابل وسجع البلابل / ديوان السيد جعفر الحلّي » : 30 - 32 ، ط قم عام 1411 ه مصوّرة عن طبعة النجف .